هذا مقال ممتاز جداً متعلق بالموضوع ، للشيخ رضا صمدي ، وهو تايلاندي ؛ قضى فترة كبيرة من حياته في مصر واتصل بمشايخ الدعوة السلفية في القاهرة والإسكندرية .. وله من الكتب : (30 طريقة لخدمة الدين) ، (القواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد لرمضان)
سلفية الصحوة .. وصحوة السلفية
رضا أحمد صمدي
الجزء الأول : سلفية الصحوة
بات مستقرا عند كل مدقق في أحوال المسلمين أن هناك يقظة دينية عميقة الجذور تسري في كل شرائح المجتمع ، وتنمو وتتعاظم مع مر الأيام والليالي ، ولم يعد غريبا بين الناس اليوم مراقبة أحداث متفرقة في كل أنحاء العالم أبطالها أناس يزعمون أنهم جاءوا ليطبقوا شريعة الإسلام ، فهذه مجموعة من طلبة العلم الشرعي تقيم دولة في أفغانستان وتعلن تطبيق شريعة الإسلام ، وأخرى تعلن جهادها ضد الصلييبين واليهود ، وأخرى تقوم بدور غير منكور في نشر العلم وطبع الكتب النافعة وتوزيعها بالمجان ، وأخرى تشرف على مشروعات إغاثية واسعة المجال في كثير من أنحاء العالم ، وأخرى يتطوع أبناؤها للدفاع عن المستضعفين في كثير من البلاد التي يظلم فيها المسلمون ، كما أنه لن تخطيء العين في أي مكان في بلاد المسلمين جمهرة غفيرة من الشباب الغض وقد تسربل بثوب الإيمان والتقوى ، وتنسك في وقت مبكر من عمره ، وأعلن بين الناس تمسكه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم . كل هذا أصبح ماثلا لكل ذي بصر وبصيرة ، ولقد بات واضحا لكل ذي عين أن دول الغرب قد اتفقت على وصف ظاهرة الأصولية الإسلامية بأنها أخطر الظواهر التي تهدد نسيج المجتمع الغربي ، ولا يمكن أن نهمل هذا التوصيف الذي بناه القوم على دراسات استراتيجية ، كما أنه ليس لهم مصلحة في تضخيم ظاهرة سرابية ، أو وصف واقع غير موجود ، كيف هذا ومصدر تلك التوصيفات جهات عسكرية واستخباراتية وهيئات معلوماتية تراقب وتحلل ، والمنكر لهذه الظاهرة أو المهون لها إما حقود أو جهول أو أعمى أو متعام ، وكل هؤلاء لا كلام للعقلاء معهم . ولكن كلامنا مع من يتساءل من العقلاء عن حقيقة الشيء الذي حفز كل تلك الجموع لنهج طريق يشترك في شيء واحد وهو نصرة الدين ؟؟؟ وماهو السر في كون هيئتهم جميعا ( تقريبا ) مشتركة ، بل ومصطلحاتهم متقاربة ، وأمانيهم وأهدافهم في إعزاز الدين لا تكاد تختلف في أي مكان وجدوا في هذا العالم المترامي الأطراف . تأمل معي أيها القارئ هذا الطيف من الجماعات الإسلامية المختلفة ، وهذه النوعيات المتباينة من المناهج الدعوية والمصنفات العلمية ، إن الناظر لأول وهلة يظن أنه أمام علامة من علامات الساعة ، إذ يرى فرقة واختلافا على نحو ما أخبر البني صلىالله عليه وسلم ، ويرى معارك ضارية تدور رحاها بين تلك المناهج وتلك الجماعات ، وقد يذهب التشاؤم بالبعض للجزم بأن النصر لا يمكن أن يأتي على يد تلك الجماعات الإسلامية ، بل إننا نرى قطاعا عريضا من الغيورين على الدين قد نفض يده تماما من جهود الجماعات العاملة في الساحة لما رأى من تخبطها وتناحرها وبعد بعضها عن الكتاب والسنة . أما كاتب هذه السطور فعلى العكس من كل هذه النظرات التشاؤمية ، بل إنه يذهب إلى أبعد من هذا كله ، ويقول : إن ما نراه من الواقع الأليم إن هو إلا نوع من إرهاصات النصر التي تسبق مجيء الحدث الجلل ، والذي عليه يبنى المستقبل الزاهر . نعم ، أيها الأخوة .... إن صحوتنا الإسلامية الراشدة ما زالت إسلامية ، وكثير من قطاعاتها بلغ سن الرشد ، والبعض في طور البلوغ ، والبعض قد بلغ أشده وبلغ من الوعي والنضج ما يكفي الصحوة كلها . لا ، ليست إسلامية فحسب ، بل هي صحوة سلفية الجذور ، سنية الأصول والملامح ، ترتد في مرجعيتها إلى القرون الخيرية الأولى ، وتستلهم جذوة حيويتها من الحركات الإصلاحية السلفية الكبرى مثل حركة ابن تيمية وابن عبد الوهاب وغيرهما . هل هذه مجرد دعوى أو أنها دراسة عميقة لواقع معقد ؟ إنني بكل إطمئنان أقرر أيها الأخوة أن صحوتنا بكل انتماءاتها وفصائلها سلفية الجذور ، سنية الملامح ، وإليكم البيان والتفصيل . يمكننا أن نقسم أنشطة الصحوة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام : الأول : النشاط الفردي الخاص ( ويتضمن العبادات والمعاملات والأخلاق ... ) . الثاني : النشاط الجماعي العام ( ويتضمن الجهد الجماعي الذي تبذله كل الفصائل الإسلامية من جهاد عسكري أو سياسي أو دعوي أو ... ) . الثالث : النشاط الفكري الذي يتمخض عنه أدبيات علمية مختلفة تعالج الشأن العقدي والمنهجي لفصائل الصحوة الإسلامية إجمالا وتفصيلا . إننا لو أخذنا التعريف العام للسلفية وهو العمل بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة ، فإننا سنجد أن كل تلك الأنشطة تدور في فلك هذه الجملة أو القاعدة . فليس في فصائل الصحوة من يقول بأصول أهل البدع الكبرى كالجهمية وغلاة القدرية والجبرية والمعتزلة بل ولا حتى الأصول الجامعة للأشاعرة ( ليس هناك من فصائل الصحوة من يعتقدها ، وإن كان منهم من ينحاز لبعض فروع معتقدهم ) ، وليس من فصائل الصحوة من يذهب إلى أصول بدع الخوارج والرافضة أوالإسماعيلية . إن الالتزام العام بمعتقد السلف ( ولا أقول معتقد أهل السنة فقد انتحل هذه التسمية جمهور الأشاعرة فوجب التمايز ) سمة نلحظها بحمد الله في كل فصائل الصحوة الإسلامية التي تمثل اليقظة الإسلامية الحقيقة التي عمت أرجاء الدنيا . وليس في فصائل الصحوة من ينكر السنة أو يحيدها عن التشريع ، كما أنه ليس في فصائل الصحوة من يتنكر للتراث الضخم ( الفقهي والأدبي والدعوي والأخلاقي ) للقرون الثلاثة الخيرية ، التي يحن إليها قلب كل تقي ، ويواليها فؤاد كل مؤمن نقي . إن العبادات التي تؤديها كل فصائل الصحوة تراعى فيها الموافقة للكتاب والسنة ، والكثير من الفصائل المختلفة تستفيد من مؤلفات أئمة السلفية في العصر الحاضر كالشيخ الألباني والشيخ ابن باز في شرحهم لكيفيات العبادات ، وليس الآن من فصائل الصحوة من يصلي أو يصوم تبعا لمذهب بعينه بغض النظر عن الأدلة الشرعية المعتبرة . وفي المعاملات كالأنكحة والتجارات والاقتصاد بوجه عام فإن الصحوة تتجه بثقل كامل نحو استلهام روح الفقه الإسلامي الذي تركه لنا السلف الصالح من العلماء والأئمة المعتبرين ، وها أنت ترى كل المؤلفات التي تؤلف في الزواج والاقتصاد تظهر عليها سيما التقيد بالكتاب والسنة ، حتى في دقائق الأمور . أما في مجال الأخلاق فيمكنك أن تطالع كل أدبيات الصحوة بلا استثناء ، فإنك ستجد كثافة الاستدلال بسيرة السلف الصالح ، حتى من اشتط منهم قليلا واتخذ من بعض المؤلفات المغموزة منهاجا ودستورا فإنك ستجد أن ما شده إليها إنما هو اشتمالها على آثار السلف وطريقتهم في السلوك كالإحياء للغزالي . أما النشاط الجماعي العام فهو أشهر من أن أدلل له على سلفية الصحوة ، فالجهاد العسكري الذي تبذله فصائل الصحوة في مناطق متفرقة من العالم تعلن ولاءها الكامل للسلف الصالح ومنهج خير القرون ، وتبث معتقدها الصحيح في أدبياتها ونشراتها بصورة لا تخطئها عين ، والنشاط السياسي الذي تمارسه كل فصائل الصحوة يتقيد في مجمل خطواته بالمنهج السني الواضح ، وإن حصلت بعض التجاوزات ، إلا أي تصرف سياسي تقوم به بعض الفصائل فهو مبني في الغالب على اجتهاد فقهي واسع وفتاوى ودراسات مستفيضة عن الموقف الواجب اتخاذه ، وغالب ما حصل الذم فيه لتلك الفصائل فهو محل نظر واسع ومسرح اجتهاد كبير ، وقليل منه هو الذي لا مبرر له . أما النشاط الدعوي السلمي فبحمد الله قد ترسخ عند كل شباب الصحوة الممارسين للنشاط الدعوي مصداقية كبيرة للمنهج السلفي ، وباتت كل فصائل الصحوة تستعلن بولائها لهذا الجيل الرشيد أعني جيل السلف ، وصارت كل النشرات والمؤلفات والخطب والرسائل تستقي مادتها من سيرة السلف وعلمهم وعقائدهم ، هذا أمر مشهور ومعروف لكل متابع . أما النشاط الفكري الذي يتمثل في العروض المنهجية لفصائل الصحوة فهي وإن كان كل منها ينادي على منهجه وطريقته إلا أن روح تلك المناهج صار يصب في مصلحة الدين العليا ، ويستمد الأدلة من الكتاب والسنة ، ويعتبر وجود دليل من فعل السلف ظفرا مبينا ونصا قاطعا في قضيته ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على إجلال الصحوة للآثار السلفية والطريقة السنية ، ويمكنك أن تستقريء خمسة كتب من أدبيات كل جماعة وتوازن ما بينها وبين كتب الفكر العامة ، فإنك ستجد فيها الحس الإسلامي ، وأريج السلفية العبق يتضوع شذاه مستعلنا بانتمائه ، وموضحا عراقة أصله ومحتده . هل أنا حالم أو غارق في الأماني ؟ لا أيها الأخوة ، لقد ناقشت وجادلت الكثير من المنتمين للجماعات العاملة في الساحة ، وكان من ناقشتهم على المستويات العليا لا السفلى ، وقرأت الكثير من أدبيات الجماعات الإسلامية ، وكان هذا الحكم وليد نظر واسع وتأمل عميق لنفسيات العاملين في الساحة من الدعاة من كل شاكلة ، لقد بدا لي بوجه قاطع أن التشنج الذي نراه عند البعض مرده إلى سوء فهم منه للمنهج ، وأن الأصول العامة لأهل السنة ، لا يكاد يحصل فيها خلاف . وأعظم دليل على دعواي هذه أنك ستجد أن كل قادة فصائل الصحوة وعلماءها من كل الجماعات يعلنون أن عقيدتهم هي عقيدة السلف ، ومن يتردد يقول : إن الراجح عقيدة السلف ، لا أستثني إلا بعض القادة الذين لا وجود حقيقي لهم في الساحة ، فالمتنفذون بفتاواهم والقائدون حقيقة لمسيرة الصحوة كلم بفضل الله على العقيدة السلفية في الجملة وفي كثير من التفاصيل ، لا تجد منهم أشعريا أو جهميا أو معتزليا أو خارجيا ولا رافضيا ، وهذا بفضل الله تعالى وتوفيقه ومعونته . وبعد .... فإن هذا الاستنتاج الذي أطرحه هنا ليس لأجل تطييب الخواطر ، وليس لأجل تهدئة النفوس ، بل هو ( في نظري ) تقدير وحكم على الواقع بمقتضى الحوادث الحقيقية والأدلة المادية ، وأنا أتناول روح هذا الواقع وروح حوادثه ، ولا ألتفت إلى الوقائع الجزئية منفصلة عن أخواتها ، ولا أتشبث بالسقطة والزلة متجاهلا الأعم الأغلب من التصرفات ، بل أقيس وأسبر الجماء الغفير من تلك الوقائع والتصرفات ، وما شذ منها أبحث عن سببه ، فإن كان له سبب وجيه صرفت النظر عن اعتبار شذوذه ، وإن لم يكن له سبب وجيه جعلت هذا الشاذ محكوما لا حاكما ، حتى يكثر الشذوذ ، وبحمد الله لم أجد هذا في أي من فصائل الصحوة . قد تبدو لك أيها القارئ بعض النقاط مغلقة ، غير مفهومة ، وبعض الاستنتاجات عليها علامات استفهام ، وهذا لا بد أن يحدث فإن الواقع معقد فعلا كما أسلفت ، وكثرة الخلافات بين آحاد شباب الصحوة هو الذي سبب هذا التعقيد ، كما أن غياب التواصل بين قادة الصحوة هو الذي يعقد الأمور أكثر وأكثر . ولكن كن على يقين أن هذه النتيجة لدي البينات عليها ، ولدي من أدلة الشرع والواقع ما يقيمها على ساق قوية ، وإن خالف فيها بعض أهل العلم ، واعترض عليها بعض قادة الفصائل ، إلا أنني أعمل بقاعدة ذهبية وضعها لنا المحدثون وطبقها المؤرخون في نظرتهم لحوادث التاريخ ، وهي أن ننظر نظرة ناقد لخلاف الأقران ، ومعارك المعاصرين ، وألا نبادر إلى ذم طرف على حساب طرق حتى نفهم حجج الطرفين ونسمع حجاج كل واحد منهما عن رأيه وفكره . هذا ولا أحتاج أن أؤكد أن المقصود بالصحوة الإسلامية السلفية عندي من لم يتلبس ببدعة عقدية أصيلة ، كالخوارج ( الذين يكفرون المسلمين بالكبائر ) أو الرافضة أو المعتزلة المعطلة ، وكذلك من لم يتلبس بغالب البدع العملية التي يفعها الطرقية والصوفية ، فمن هذا شأنه غير محسوب عندي من فصائل الصحوة أو جماعاتها أو آحادها ، فاسم الصحوة لا يصدق إلا على من استلهم أصول الإسلام في يقظته وقومته لإعادة العزة والنصر للأمة المنكوبة . وفي نفس السياق أوكد أيضا أن هذه النتيجة ليس معناها أن كل فصائل الصحوة على المنهج السلفي الكامل ، وأنها تطبق السنة بحذافيرها ، فالتقصير وارد وحاصل دون ريب ، وإذا كان في القرون الثلاثة الخيرية من تلبس بالبدع الكبرى ومع هذا فلم يقدح وجودهم في خيرية تلك القرون ، والقصور في أصول مناهج بعض الفصائل لا يمكن أن يستريب فيه عاقل ، ولكن هذا القصور لا يقدح في روح الصحوة التي تنتمي إليها كل تلك الفصائل أكرر ( روح الصحوة ) ، كشأن مدرسة تفوق تلامذتها ونجح معظمهم ، وحصل البعض على الدرجات المتوسطة والبعض القليل قد رسب ، فإنه لا يجوز أن نطلق حكما جائرا ونقول : إن المدرس ليس فيها متفوقون أو أن المتفوقين فيها قليل ، هذا جور في الأحكام نريد أن ننزه طرحنا عنه حتى تكون النتيجة عادلة على قدر النظرة العادلة والكلام عن السلفية الكاملة وكيفية بلوغها هو محل حديثنا في المقال القادم إن شاء الله ،وأرجو من كل من كان لديه استفهام أو شك في شيء من استنتاجاتي أن يبادر إلى الاستفسار ، فقد يكون الحق معه ، ولا أزعم العصمة فيما أتيت به ، بل هو نتاج بحث وفكري وقدح زناد عقلي ، والمعصوم من عصمه الله تعالى . وأسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه مرضاته ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .