طريق الحقيقة


الرئيسية     |     الأخبار     |     رجال دعوة     |     إطلالة على العالم     |     حوارات     |     المنتديات    



المسلمون في إسبانيا ومكافحة الإرهاب

2009-02-09
رسالة الإسلام

أصبح الإسلام ومعتنقوه، في ظل إلصاق مصطلح "الإرهاب" بهم، وسط بركان ثائر، فتحت ذريعة ما يُدعى "بمكافحة الإرهاب"، بدأت حقوق الجاليات الإسلامية في الدول الأجنبية في التقلص والانتهاك يومًا تلو الآخر، فقد أثارت تلك الدول أشباح الخوف لتبرر سياسات السيطرة وانتهاك الحريات التي تمارسها ضد المسلمين المقيمين فيها. ولعل الوضع في إسبانيا من أبرز الأمثلة على ذلك، فقد بدأت إسبانيا، حتى قبل تعرضها للتفجيرات التي ضربت أربعة قطاراتٍ في العاصمة الإسبانية مدريد في 11 مارس 2004، تحذو حذو الولايات المتحدة في تبني استراتيجية مكافحة الإرهاب في إطار تعاون مشترك بين الدولتين، فأخذت في اعتقال العشرات من المسلمين بدعوى الانتماء لتنظيم القاعدة مستندةً إلى أدلة واهية، ثم تفاقم الوضع عقب وقوع تفجيرات 11 مارس، فشنت الشرطة عمليات اعتقال موسعة، حيث اعتقلت في ذلك العام أكثر من مئة شخص من مختلف الجنسيات لا يجمعهم سوى كونهم مسلمين، تلك الاعتقالات التي اتسمت بمختلف الانتهاكات القانونية، التي أوضحتها منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2005، حيث نددت بإجراءات مكافحة الإرهاب في إسبانيا، مشيرةً إلى استخدام العزل الانفرادي وإجراءات قانونية سرية وفرض قيود على الحق بالتمثيل من قبل محام في مراحل الاعتقال الابتدائية، فضلاً عن فترات الاحتجاز المطولة في مرحلة ما قبل المحاكمة، حيث أوضحت أنه يمكن احتجاز المتهمين بالإرهاب في السجون لمدة قد تصل إلى أربع سنوات قبل تقديمهم للمحاكمة، حيث غالباً ما يتم إخضاعهم لنظام مشدد يستلزم اتصالاً محدودًا مع السجناء الآخرين وتحديد شديد للفترات التي يمكن قضاؤها خارج الزنزانة.

استمرار الانتهاكات

ولم يقتصر الأمر على تلك الفترة وحسب، بل ما زالت الشرطة الإسبانية تواصل عملياتها ضد الجالية الإسلامية بإسبانيا حتى الآن، حيث تعتقل العشرات بدعوى تفكيك خلايا إرهابية مزعومة، أو بتهمة تجنيد عناصر أصولية لإرسالها إلى العراق بهدف القيام بعمليات "انتحارية" ضد القوات الأجنبية الموجودة هناك، أو تمويل الإرهاب... إلخ، بينما تصدر الاستخبارات الإسبانية في الوقت ذاته تقارير تشير إلى استهداف تنظيم القاعدة لإسبانيا، وأنها ما تزال مكانًا خصبًا للموارد البشرية للتنظيمات الإرهابية المفترضة، الأمر الذي يكفل استمرار وجود أشباح الخوف لتبرير أي عمل أمني حتى وإن شابته مختلف الانتهاكات.

ويؤكد لنا لقاء أجرته صحيفة "إل فارو دي سبتة ومليلية" الإسبانية مع زوجات وأمهات وأخوات بعض المسلمين المعتقلين منذ عام 2006 استمرار تلك الانتهاكات، حيث نددت السيدات باستمرار اعتقال ذويهن منذ عامين دون وجود أدلة ضدهم، بل وتجديد الحبس لمدة عامين آخرين.

وتم اعتقال ذويهن في إحدى عمليات الشرطة التي تُدعى "عملية دونا" في 12 ديسمبر 2006 بتهمة الانتماء لمنظمة "السلفية الجهادية" التابعة لتنظيم القاعدة، على حد قول السلطات.

وأوضحت الصحيفة الإسبانية أن المحكمة الوطنية قد بررت أمرها بتمديد حبس المعتقلين الستة لمدة عامين آخرين بالخوف من إمكانية هروبهم أو اشتراكهم في عمل "إجرامي" آخر، فضلاً عن إمكانية أن يسفر إطلاق سراحهم عن إخفاء أدلةٍ تتعلق بالتحقيق.

وتساءلت فاطمة حميدو محمد، والدة المعتقل عبدالكريم الشايب، العسكري السابق في القوات المسلحة الإسبانية، كيف يهرب وخطيبته في انتظار خروجه كي يتزوجا، فكان من المفترض أن يعقدا قرانهما العام الماضي.

وأوضحت أسر المعتقلين أنه لم يتم السماح لهم بلقاء ذويهم الستة إلا لمدة عشر دقائق في 12 نوفمبر الماضي، بينما كانت تفصل بينهم شاشة زجاجية، عقب طلب تقدم به محامو الدفاع للقاضي المسؤول عن القضية.

ونددت زوجة المعتقل محمد فؤاد، المتهم، وفقًا للتحقيقات الأولية، بأنه العقل المدبر للجماعة "لتوليه مهمة كسب أتباع وتجنيد شباب للقيام بالجهاد"، أن استمرار الحبس في حد ذاته يعد "ظلمًا".

وأكدت أسر المعتقلين أن القاضي "بالتسار جارثون"، قاضي المحكمة الوطنية الإسبانية، كان قد ذكر لهم خلال زيارته لمدينة سبتة في شهر مايو الماضي أنه "لا توجد أدلة واضحة ضدهم وأن التحقيقات ما زالت سارية".

وأوضحت فاطمة أن ما تم ضبطه في منازل المعتقلين لم يكن يحتوي على أية رسائل أصولية، فقد كانت شرائط فيديو عائلية ونفس القرآن الذي يمكن أن تجده في بيت أي مسلم.

ونددت أسر المعتقلين بأن اتهامهم بالاتصال المفترض بشبكات أصولية لا يتعلق سوى: "بالزي الذي نرتديه"، حيث أشرن إلى أنهن يرتدين الحجاب، بينما كان ذويهم يرتدون جلبابًا لا يصل إلى الكعبين أو سراويل قصيرة لا تصل إلى الكعبين، كما نددت زوجة محمد فؤاد بأن سكان الحي ينظرون إليهم نظرة سيئة لمجرد كونهم ملتزمين.

إساءة الشرطة معاملة المعتقلين

ونددت أسر المعتقلين بالمعاملة السيئة التي تلقوها من قِبل الشرطة الإسبانية لدى اعتقال ذويهم، مشيرين إلى أنهم عاملوهم كما لو كانوا إرهابيين بالفعل، حيث أوضحن أنهم جعلهوهم يجثون على ركبهم، ثم أخذوا يسخرون منهم ويلتقطون لهم صورًا بأجهزة التليفون المحمول ويهددونهم بترحيلهم إلى معتقل جوانتانامو.

ومن جهتها، ذكرت شقيقة أحد المعتقلين: "لقد أخذوا شقيقي وهو يرتدي (شبشب بيت نسائي) دون بيجامة على الرغم من البرد الشديد الذي كان بالخارج"، كما نددت بأنهم عاملوه كما لو كان كلبًا، بل وأنهم وضعوا رأسه في المرحاض. وأوضحت كذلك أنهم لم يعطوا زوجة أخيها الفرصة كي ترتدي الحجاب، وأنهم دفعوها على السرير عندما سألت ماذا يحدث.

ومن ناحيتها، روت والدة عبد الكريم والدموع تنهمر من عينيها ما حدث في تلك الليلة: "اقتحم المنزل 16 شرطيًا على الأقل، حيث دمروا كل شيء. واستلزم إعادته إلى ما كان عليه ثلاثة أشهر، فقد ألقوا كل شيء حتى التوابل. وأجبروني على الاستلقاء على الأرض. ولم يكونوا يريدون أن يستمعوا إلى أنني أعاني من مرض في ظهري يمنعني من القيام بأي مجهود"، كما ذكرت كيف ظن أحد رجال الشرطة أن زجاجة كان بها فورمالين يُستخدم في الأعمال اليدوية سمًا وكيف اعتقدوا جصاً للزخرفة بارودًا.

أما زوجة محمد فؤاد فذكرت مدى تأثر أبنائها بما حدث، مشيرةً إلى أنهم أصبحوا منذ ذلك اليوم كلما يرون رجال شرطة في المنطقة يظنون أن ما حدث سوف يتكرر مرة أخرى، الأمر الذي وصل لدرجة عرضهم على طبيبة نفسية. وأضافت: "لم نكن نعرف ما هو الظلم حتى ذلك اليوم". ثم تساءلت السيدات: "هل لمجرد ذهابك إلى المسجد تعد إرهابيًا؟".

رسالة جماعية إلى قاضي المحكمة الوطنية الإسبانية

وجهت السيدات رسالة جماعية للقاضي جارثون، طالبوه فيها بالوفاء بوعده وتحقيق العدالة، منددين بأن سبب طلب النائب العام تمديد حبس ذويهم لمدة عامين آخرين هو عدم وجود أدلة، حيث ناشدوه البت في القضية، مؤكدين أن النتيجة لا يمكن أن تكون ضد ذويهن المعتقلين نظرًا لعدم وجود أدلة ضدهم.

تربص الشرطة بالمساجد

ولم تسلم المساجد والمصلون بها من استراتيجية مكافحة الإرهاب، فلم يقتصر الأمر على مراقبة الأئمة والاطلاع على مضمون خطبهم وحسب، وإنما وصل إلى التربص بالمصلين واستجوابهم كما لو كانوا متهمين، لينتهي الأمر بالبعض، كما في حالة بعض المعتقلين السالف ذكرهم، إلى الاتهام بارتياد المسجد لتجنيد الشباب لأعمال إرهابية.

ففي منطقة سان بيدرو ديل بيناتار في مدينة مرسية، قدم الاتحاد الإسلامي للمنطقة والجالية السنية إلى مفوضية الحكومة شكوى بشأن تربص الشرطة الوطنية بالمصلين في مسجد المنطقة، حيث قامت الشرطة يوم 27 نوفمبر الماضي بالتحقق من هوية المصلين، الأمر الذي أثار الخوف بينهم. وروى الاتحاد، طبقاً لما نشرته صحيفة "لا برداد" الإسبانية، الأحداث في خطاب مفتوح قدمه لمفوضية الحكومة، كما أرسله إلى بعض وسائل الإعلام.

وأشارت الصحيفة إلى أن سبع سيارات تابعة للشرطة الوطنية والمحلية قاموا في ذلك اليوم بإغلاق الطريق، ثم بدأوا في طلب أوراق إثبات الهوية من المسلمين الذين كانوا يدخلون أو يخرجون من المسجد. وأوضح الاتحاد أنه عندما حاول أئمة المسجد السؤال عما يحدث، أجاب مفوض الشرطة في لهجة استفزاز وازدراء: "نحن من نأمر هنا"، كما هددهم باعتقالهم واتهامهم بانتقاد عمل الشرطة لمجرد طلبهم توضيح ما يحدث. وعليه، ندد الاتحاد في بيانه "بالتربص غير القانوني وغير الدستوري واللا إنساني" بالجالية الإسلامية.

وحاول الاتحاد الإسلامي السني الاتصال بمسؤول الشرطة في مجلس بلدية سان بيدرو ديل بيناتار، ولكن دون جدوى.

ومن جهتها، أنكرت مصادر من مفوضية حكومة المنطقة تلك الاتهامات، حيث صرحت لوكالة "إفي" الإسبانية بأن عملية الشرطة التي حدثت يوم 27 نوفمبر الماضي، والتي استمرت لمدة ساعة، لم تكن سوى عملية روتينية لضبط المهاجرين المقيمين في الدولة بشكل غير شرعي، وأنها جاءت بناءً على شكوك بشأن وجود مهاجرين غير شرعيين في كابينتي تليفون عموميتين وليس في مسجد، كما نفت وجود مفوض الشرطة الذي ندد الاتحاد الإسلامي بتهديده لأئمة المسجد، مشيرة إلى أنه، على حد قولها، "لم يكن هناك".

وهكذا تستمر انتهاكات حقوق الجالية الإسلامية في إسبانيا والتربص بهم تحت ذريعة مكافحة الإرهاب المفترض، تلك الاستراتيجية التي لا تتبناها إسبانيا على الصعيد الداخلي فقط، وإنما على الصعيد الأوروبي أيضًا، فقد أعلن المنسق الأوروبي لشؤون مكافحة الإرهاب الشهر الماضي رئاسة إسبانيا للجهود الأوروبية للحيلولة دون ظهور زعماء دينيين مسلمين "متطرفين"، من خلال عملية منسقة لتشكيل الأئمة، في إطار إستراتيجية الاتحاد الأوروبي "لمكافحة التطرف وتجنيد إرهابيين"، بينما تولت خمسة دول أوروبية أخرى باقي جوانب الخطة الأوروبية للعمل المشترك ضد التطرف المفترض.

 جميع الحقوق محفوظة لطريق الحقيقة  2007