طريق الحقيقة


الرئيسية     |     الأخبار     |     رجال دعوة     |     إطلالة على العالم     |     حوارات     |     المنتديات    



حوار جميل مع الكاتب والمؤلف الإسلامي الأستاذ / جمال سلطان

2009-02-09
رسالة الإسلام

كثيرة هي هموم الأمة الإسلامية، فما أن تقع نازلة حتى تلحق بها الأخرى بفعل تلك القوى التي لا تريد للأمة قياماً ولا نهضة، فتظل ضعيفة مستسلمة يسهل نهبها واستغلال خيراتها وطمس راية دينها الذي يمثل الخطر الأكبر على كل من تسول له نفسه أن يعيث في الأرض فساداً.

والأمر بلا ريب يحتاج إلى توسيع دائرة النقاش والحوار من أجل الوصول إلى صيغة توافقية يمكن بها أن تخرج الأمة من أزمتها وأن تتعاطى مع مشكلاتها وهو ما دفعنا إلى إجراء هذا الحوار مع الأستاذ جمال سلطان الكاتب الإسلامي ورئيس تحرير مجلة المنار الجديد.

*خصصتم للحديث عن النهضة كتابكم "فقه النهضة" فما – برأيكم - السبيل للخروج من النفق المظلم الذي تمر به الأمة في ظل ما تعانيه الأمة من هيمنة خارجية واستبداد داخلي؟

** في تصوري أن الخروج من هذا النفق المظلم يحتاج إلى عمل مركب وعدم إدراك ذلك هو الخلل أو الخطأ الذي كنا نقع فيه سابقاً، حيث كنا نتصور أن تحقيق النهضة يكون بفعل محدد من وجهة نظر واحدة فبعضنا يرى أنها إصلاح سياسي وبعضنا يرى أنها إصلاح علمي أو تقني أو تحقيق طفرات اقتصادية والبعض يرى أنها تحقيق إحياء ديني بالمفهوم الضيق لمفهوم الدين.. لكن الحقيقة النهضة لا تتحقق بهذه المفردات وحدها وإنما تتحقق من خلال منظومة متكاملة تقوم بها بشكل متناسق ومتعاضد ومتكامل، فهذا هو السبيل لتحقيق هذه النهضة.. وبطبيعة الحال لابد أن يكون من وراء ذلك روح دافعة أشبه بالدينامو "مولد الطاقة" التي تبث الحيوية والحماسة في كل هذه القطاعات، بهذا كله نستطيع أن نخرج من هذا النفق ونحقق النهضة إن شاء الله.

*لكن كيف يتم هذا في ظل الوضع السياسي الراهن؟

**الاستبداد الداخلي والضغوط الخارجية كلاهما ناتج من الأزمة التي نعيش فيها وعندما تنجح في الدخول في طريق النهضة وأن تكون لديك الطاقة والقوة الدافعة والحماسة للتغيير على المستوى الاقتصادي والثقافي والتربوي والعلمي ستجد أن الأمور السياسية ستبدأ في الاستجابة لمثل هذه التطورات ويبدأ مسلسل الإصلاح يغمرها أيضا في هذا الطريق.

*تكررون دعوة الحركة الإسلامية إلى المراجعة ونقد الذات.. ما هي في نظركم المراجعة المنشودة فيما يخص أهداف الحركة؟

**الحركة الإسلامية جهد بشري مثل أي جهد بشري يعتريه النقص ويعتريه الخلل ويعتريه أحياناً ضيق الأفق ويعتريه أحياناً قلة الخبرة الإنسانية والتاريخية، لذلك من المهم ومن المفيد للحركة الإسلامية كما لغيرها من الحركات الإنسانية أن تبدي مراجعة كل حين بحيث تصحح أخطاءها وتستبصر بواقعها وتستلهم خبرة التاريخ لكي تحقق آمال الأمة من وجودها. وفي تصوري أن مراجعات الحركة الإسلامية التي شهدتها بعض البلدان مؤخراً خاصة مصر أعتقد أنها مراجعات في مجملها مراجعات مهمة تتلافى تراث مرحلة المراهقة السياسية وأيضا تستلهم أو تستفيد أو تستحضر خبرة سنوات مهمة جدا جدا من تفاعلها مع الواقع المحيط بها داخلياً وخارجياً.

*حدثتنا عن أهمية المراجعة لكننا نقصد من سؤالنا توضيح ما المراجعة المنشودة فيما يخص أهداف الحركة؟

**لا نستطيع أن نضع للمراجعة أهدافاً محددة لأن كل حركة في كل دولة وفي كل بلد لها خصوصياتها والتحديات التي تقابلها ولها أخطاؤها وبالتالي من الطبيعي أن الأهداف التي تنشدها ستختلف وتتغير.. وأعتقد أنه على سبيل المثال في بلد مثل مصر الحركة الإسلامية من أولويات أهدافها تصحيح العلاقة مع الدولة كدولة واستيعاب فهم فكرة الدولة أصلا والتمييز بين الدولة والسلطة وأن تستلهم خبرات إنسانية قديمة ومعاصرة في كيفية التعامل مع السلطة لأن هذا الجانب شهد نقصاً كبيراً وفراغاً كبيراً في وعي الحركة الإسلامية المصرية.

*يشكك البعض في جدوى المراجعات الخاصة بتيار العنف طالما بقيت الأسباب الداعية له كما هي.. ما تعليقكم؟

**لا أوافق على هذا الرأي طبعا لأن مبررات هذا العنف في المحيط الإقليمي والمحيط الدولي كانت موجودة من قبل ولكن تنامي موجات العنف بهذا الشكل لا يمكن أن نتجاهل البعد الفكري فيه فهناك أبعاد فكرية تولدت.. صحيح أنه كانت هناك عوامل مساعدة سخنت الأجواء من حولها محلياً ودولياً ولكن في النهاية هي قضية فكر وبالتالي فتصحيح هذا الفكر وإعادة ضبطه على مناهج شرعية سليمة وسديدة وراشدة أعتقد أنه عمل مفيد وستكون له ثمرة كبيرة في المرحلة المقبلة.

*لكن البعض ما زال يعتمد الكتب القديمة قبل المراجعات؟

بطبيعة الحال فمسألة المراجعات لا تعني أنه سينتهي أي فكر أو تيار يدعو للعنف وإنما القصد ستقلل الجاذبية السياسية والشعبية لفكرة العنف ولتيارات العنف وبالتالي ستجد أن نسبة ضئيلة جدا جدا من العمل الإسلامي يتجه إلى هذا السبيل بينما الوجه الأعم سيتجه وجهة أخرى ربما سياسية واجتماعية وتربوية هذا هو القصد من نجاح فكرة المراجعات وأظن أن هناك شواهد لذلك في مصر ومنطقة الخليج العربي.

*بعد السقوط المدوي لأطروحات التقارب السني الشيعي لماذا لا يجتهد المثقفون والعلماء من أجل تحقيق التقارب فيما بين أهل السنة بعضهم بعضا؟

**الخصومات أو الفروقات بين أهل السنة بعضهم البعض، الحقيقة لها طابع فكري وليس لها طابع عقدي وليس لها عمق تاريخي وإنما هي خلافات لها أبعاد فكرية فقهية سياسية وهذه مسألة يفككها الواقع وحركة الأيام وحركة المستقبل لذلك ليس لها مخاطر كبيرة مثل الفروق التي هي بين طوائف دينية كبيرة مثل الشيعة... وهذا لا ينفي أن هناك خللاً فعلا في مسألة الحوار وإدارة الحوار بين تيارات العمل الإسلامي السنية ولعلها تكون فرصة لدعوة أهل السنة إلى واقع جديد يكون أكثر انفتاحاً على بعضها البعض وأن تكون هناك حوارات جادة وحوارات مثمرة وحوارات بقلوب مفتوحة تستبصر الواقع والتحديات والخطر الذي يلحق بالجميع.

*ثمة تركيز شديد من قبل القائمين على العمل الدعوي على الأمور التعبدية دون العمل على تفعيل قضايا الحياة والواقع.. ما مدى صوابية هذه الظاهرة.. واقعياً وإسلاميا؟

**الظاهرة هي جزء من تيار وبطبيعة الحال ستجد فيه من يهتم بالجانب التعبدي عند الشباب أو الناس ومن يهتم بالجانب الوعظي ومن يهتم بالجانب الثقافي ومن يهتم بالجانب المعرفي ومن يهتم بالجانب السياسي وهناك من يدخلون الدعوة الإسلامية من مدخل سياسي محض فستجد هذا وذاك وأعتقد أن هذا كله يصب في اتجاه الخير لكن بشرط أن لا يعيب بعضهم على بعض هذا من جانب، ومن جانب آخر أن لا يتجاهل كل مشتغل بفن أو جهة أو قطاع أهمية الأبعاد الأخرى للمسألة الدينية.

*بعد وقوع الأزمة المالية العالمية تعالت الأصوات المطالبة بالعودة إلى منهج الاقتصاد الإسلامي.. كيف يمكن للمسلمين الاستفادة من هذا الظرف التاريخي؟

**ليس من شك في أن هذه الأزمة كشفت عن روعة الفكر الإسلامي والأسس الاقتصادية المستمدة من المصادر الإسلامية والتي تكفل حماية الناس والحفاظ على استقرارهم وأمنهم في كل زمان ومكان وهو ما يوجب على المسلمين حسن الاستفادة مما حدث مؤخراً بالبيان عن عظمة الإسلام على أن يكون ذلك بطرق متعددة ومتناسبة مع طبيعة المخاطبين فليس شرطاً الالتزام بالتعبير عن المفاهيم الدينية بالأشكال التقليدية التي ربما لا يستوعبها الغربيون وذلك من خلال الحوارات وعقد الندوات والمؤتمرات المتخصصة والتي يستضاف فيها القادرون على مخاطبة هؤلاء بلغتهم وبما يليق بالإسلام... لكنني في ذات الوقت أرجو أن لا يأخذني التفاؤل إلى أبعد مدى فقد كان من توابع الأزمة المالية أن بدأ الكثير من الغربيين يعودون مرة أخرى إلى كتب كارل ماركس والماركسيين يبحثون عن الخلل والخطأ الذي حدث ووقعت بسببه الأزمة المالية.

*الفكر والحركة جناحان لا غنى للتيار الإسلامي عنهما فهل ترى سيادتكم أن هناك توافقاً وتناغماً بينهما أم أن كلاً منهما يتحرك بعيداً عن الآخر؟

**بالفعل هناك حالة من الفصام فيما بين الإسلاميين الذين يمارسون الحركة والذين يمارسون الفكر حيث يشعر أهل الحركة أن أهل الفكر بعيدون تماما عن واقع وحال الأمة الإسلامية في حين يمارس بعض أهل الفكر استعلاءً واضحاً على أهل الحركة وبالتالي فإننا في حاجة إلى القضاء على هذا الفصام النكد ولن يتأتى ذلك إلا بالحوار بين الطرفين وتقريب وجهات النظر واستشعار أهمية كل طرف حتى لا يسير كل منهما في طريق منفصل فتكون النتيجة سيئة.

*هناك اتهام واضح من العلمانيين لأصحاب المشروع الإسلامي بأنهم يفتقرون لبرنامج تفصيلي للتغيير وأنه لا يوجد بينهم مفكرون أصلاء لطرح هذا البرنامج من الأساس.. ما ردكم؟

**أعتقد أن هذه اتهامات باطلة ولا يقول بها إلا بعض الذين يخوضون مواجهة لها طابع أيدلوجي مع الحالة الإسلامية لكن لا يمكن أن تنفي وجود مفكرين على مستوى كبير جدا جدا في الحالة الإسلامية، فمن العيب أن نذكرهم أو ندافع في هذه النقطة لأن هذا أمر لا تخطئه العين في العالم العربي والإسلامي بل والعالم الغربي أيضا فأنت تتكلم عن رجاء جارودي وعن علي عزت بيجوفيتش وعن مراد هوفمان فهؤلاء مفكرون إسلاميون أم ماذا بالضبط؟! وفي العالم الإسلامي تتكلم عن أسماء من الوزن الثقيل لا نريد ذكر أسماء البعض ونسيان البعض حتى لا يساء الفهم بذكر البعض وتجاهل آخرين.. أما فيما يخص موضوع المشروع فهذا فيه قدر كبير من التكلف من قبل التيارات العلمانية فعلى الأقل أنت لديك أكثر من عشرين حزباً سياسياً إسلامياً في العالم العربي والإسلامي وكل حزب من هؤلاء قدم مشروعاً شاملاً في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية وكل شيء فكل هذه مشروعات.. لكن المشكلة أن البعض يتصور أنك عندما تقول تيار إسلامي تتكلم عن كتلة صماء أو اجتهاد واحد أحادي لا بديل له، وفي الحقيقة أن الحالة الإسلامية أو المشروع الإسلامي هو منهج ومرجعية في الأساس لكن من خلال هذه المرجعية ستجد الكثير من التعددية في داخل التيار الإسلامي والنسق الإسلامي ومن هنا يأتي اللبس.

** أجرى الحوار أسامة الهتيمي

 جميع الحقوق محفوظة لطريق الحقيقة  2007